لغز لم يحل منذ عقود.. حكاية القاتل الشهير زودياك الذي تلاعب بالعالم

 

من هو القاتل الشهير زودياك

هل يمكن لشخص واحد أن يرتكب سلسلة من الجرائم البشعة، ثم يسخر من الشرطة عبر رسائل مشفرة، ويختفي تماماً دون أن يترك أثراً لهويته الحقيقية؟ نحن في القرن الـ 21، ورغم كل التقدم في علوم الأدلة الجنائية، وتحليل الحمض النووي (DNA)، والذكاء الاصطناعي، لا تزال قصة القاتل زودياك (Zodiac Killer) هي الثقب الأسود الذي عجز الجميع عن فك شفرته. إنه القاتل الذي لم يكتفِ بالقتل، بل أراد الشهرة، وأراد أن يلعب "لعبة القط والفأر" مع العالم أجمع.

في هذا المقال الطويل والمفصل، سنعود بالزمن إلى ستينيات القرن الماضي في كاليفورنيا، لنكشف الستار عن حكاية الرجل الذي اختار لنفسه اسماً ورمزاً أصبحا مرادفين للرعب. سنستعرض الجرائم، الرسائل الغامضة، والمشتبه بهم الذين حيروا المحققين لجيل كامل. اربطوا أحزمتكم، فنحن على وشك الدخول إلى عقل واحد من أذكى وأخطر القتلة المتسلسلين في التاريخ.

بداية الكابوس: ليلة بحيرة هيرمان وما تلاها

بدأ كل شيء في ليلة باردة من شهر ديسمبر عام 1968. في طريق منعزل بالقرب من "بحيرة هيرمان" في كاليفورنيا، تعرض مراهقان لإطلاق نار وحشي دون سبب واضح. لم تكن هناك سرقة، ولم تكن هناك عداوات مسبقة. كانت جريمة قتل عشوائية بدم بارد هزت المجتمع الهادئ آنذاك. اعتقدت الشرطة في البداية أنها حادثة معزولة، لكنها كانت مجرد "المقبلات" في مأدبة دم خطط لها الزودياك بعناية.

بعد بضعة أشهر، وتحديداً في يوليو 1969، تكرر المشهد في متنزه "بلو روك سبرينغز". هجوم آخر على شاب وفتاة في سيارتهما. لكن هذه المرة، حدث شيء غريب؛ اتصل شخص ما بمركز الشرطة من هاتف عمومي، وبصوت هادئ ومستفز، أعلن مسؤوليته عن هذا الهجوم والجريمة التي سبقتها. كانت هذه هي اللحظة التي أدرك فيها العالم أنهم لا يواجهون مجرد مجرم، بل كيان يبحث عن الاعتراف.

الرسائل الأولى ولادة اسم "زودياك"

في أغسطس 1969، تلقت ثلاث صحف كبرى في كاليفورنيا رسائل متطابقة تقريباً. بدأت الرسالة بجملة أصبحت شهيرة فيما بعد: "عزيزي المحرر، أنا هو قاتل..."، وتضمنت تفاصيل عن الجرائم لا يعرفها إلا القاتل. الأهم من ذلك، أرفق القاتل بكل رسالة جزءاً من "شفرة معقدة" تتكون من رموز غريبة، وطالب بنشرها على الصفحة الأولى، وإلا فإنه سيقوم بسلسلة من الاغتيالات في عطلة نهاية الأسبوع.

كان هذا هو الظهور الأول لرمز "الدائرة المتقاطعة" (Crosshairs)، وهو الشعار الذي اتخذه القاتل لنفسه. بعد فترة وجيزة، أرسل رسالة أخرى بدأها بجملته الأسطورية: "هذا هو الزودياك يتحدث" (This is the Zodiac speaking). ومن هنا، وُلد الاسم الذي سيظل يطارد أحلام الأمريكيين لعقود طويلة. القاتل لم يكن يريد المال، بل كان يريد أن يقرأ الجميع عن قوته المزعومة.

لغز الشفرات: هل كان القاتل عبقرياً أم مجنوناً؟

ما جعل قضية القاتل زودياك فريدة من نوعها هي "الشفرات" (Ciphers). أرسل الزودياك ما مجموعه أربع شفرات معقدة. الشفرة الأولى، المعروفة باسم (Z408)، تم فكها بسرعة بواسطة زوجين عاديين كانا يحبان الألغاز. كان محتوى الرسالة مرعباً؛ حيث ادعى فيها القاتل أنه يجمع "العبيد" لحياته الآخرة، وأن القتل يمنحه شعوراً أفضل من الجنس.

لكن الشفرة الثانية، المعروفة باسم (Z340)، ظلت مستعصية على الحل لمدة 51 عاماً! لم تستطع الـ FBI ولا وكالة الأمن القومي فكها، حتى قام فريق من الهواة وخبراء الرياضيات في عام 2020 بفك رموزها باستخدام برمجيات فائقة التطور. الرسالة لم تكن تحتوي على اسمه الحقيقي كما كان يأمل البعض، بل كانت مجرد سخرية إضافية من محاولات الإمساك به، مما أكد أننا نتعامل مع شخص مهووس بالمنطق والرياضيات.

لماذا استخدم الزودياك الرموز؟

يرى علماء النفس الجنائيون أن استخدام الرموز كان وسيلة لفرض "السيطرة الفكرية". أراد الزودياك أن يثبت أنه أذكى من رجال الشرطة والمحققين. في عام 2026، وبفضل تحليل لغوي حاسوبي، يُعتقد أن القاتل ربما كان له خلفية في الجيش أو التشفير، حيث أن بعض الرموز التي استخدمها تشبه تلك المستخدمة في خرائط الملاحة الجوية أو العسكرية في تلك الحقبة.

هذه الشفرات حولت القضية من جريمة قتل محلية إلى ظاهرة ثقافية. أصبح الناس في المنازل يحاولون فك الرموز، وظهرت آلاف النظريات. هذا الاهتمام الشعبي هو بالضبط ما كان يسعى إليه الزودياك؛ أن يكون "البطل الشرير" في رواية يكتب فصولها بدم ضحاياه وبقلم حبره الأسود.

مسرح الجريمة في بحيرة بيريسا: الرعب في وضح النهار

بينما كانت الشرطة تركز على الرسائل، ضرب الزودياك مرة أخرى في سبتمبر 1969، ولكن بأسلوب مختلف تماماً. في "بحيرة بيريسا"، هاجم القاتل شاباً وفتاة في وضح النهار. هذه المرة، ظهر الزودياك بزي كامل غريب؛ كان يرتدي غطاء رأس أسود يشبه كيس الجلاد، وعليه رمز الدائرة المتقاطعة باللون الأبيض، وكان يحمل مسدساً وسكيناً كبيراً.

الناجي من هذا الهجوم، برايان هارتنيل، قدم وصفاً دقيقاً للزي ولصوت القاتل، لكنه لم يستطع رؤية وجهه. قام الزودياك بربط الضحيتين، ثم طعنهما مراراً، وقبل أن يغادر، ذهب إلى باب سيارتهما وكتب عليه تواريخ جرائمه السابقة ورمز الزودياك. كانت هذه الجريمة هي الأكثر وقاحة، حيث نفذها في مكان مفتوح وتحت ضوء الشمس، مما يعكس ثقة مفرطة بالنفس.

بصمة الإطار والآثار المفقودة

رغم أن الشرطة وجدت آثار أقدام وبصمات إطارات في بحيرة بيريسا، إلا أنها لم تكن كافية للوصول لاسم محدد. في عام 2026، ومع إعادة فحص العينات المتبقية بتقنيات التصوير الطيفي، يرى بعض المحققين أن القاتل كان يرتدي أحذية عسكرية نادرة في ذلك الوقت، مما حصر دائرة البحث في الأشخاص الذين عملوا في قواعد عسكرية قريبة.

المثير للدهشة هو الهدوء الذي كان يتحدث به الزودياك أثناء الهجوم. لم يكن غاضباً أو منفعلاً، بل كان يتحدث وكأنه يؤدي "مهمة" أو "طقساً دينية". هذا البرود العاطفي هو السمة المشتركة بين القتلة المتسلسلين الأكثر خطورة، وهو ما جعل الإمساك به أمراً في غاية الصعوبة.

جريمة سان فرانسيسكو: الغلطة التي كادت تنهي الرحلة

في أكتوبر 1969، تغير مسار العمليات. قتل الزودياك سائق تاكسي يُدعى "بول ستين" في حي راقٍ بسان فرانسيسكو. كانت هذه الجريمة مختلفة لأنها حدثت في وسط المدينة وليس في مناطق معزولة. شاهد ثلاثة مراهقين القاتل من نافذة منزلهم وأبلغوا الشرطة، ووصلت دورية إلى مكان الحادث في غضون دقائق.

هنا حدثت واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ التحقيقات؛ بسبب بلاغ خاطئ بأن القاتل "أسود البشرة"، مر ضابطا شرطة بجانب رجل أبيض يسير بهدوء مبتعداً عن مسرح الجريمة ولم يوقفاه! لاحقاً، أرسل الزودياك رسالة يسخر فيها من الضابطين ويؤكد أنه هو من رآهما، بل وأرفق مع الرسالة قطعة من قميص الضحية الملطخ بالدم لإثبات هويته.

الرسم التخيلي الوحيد

بفضل شهادة المراهقين والضباط الذين رأوه (دون أن يدركوا أنه القاتل)، تم رسم "الرسم التخيلي" الشهير للزودياك؛ رجل في أواخر الثلاثينيات، يرتدي نظارات سميكة، وشعره قصير ومصفف بطريقة عسكرية. هذا الرسم هو الصورة الوحيدة التي يملكها العالم للزودياك، ورغم نشرها في كل مكان، لم يتم التعرف عليه بشكل قاطع.

بعد هذه الجريمة، هدد الزودياك بتفجير حافلة مدرسية مليئة بالأطفال، مما أدى إلى حالة استنفار قصوى في كاليفورنيا. توقفت الجرائم الجسدية المنسوبة إليه بعد ذلك، لكن الرسائل استمرت لسنوات، يزعم فيها أن عدد ضحاياه وصل إلى 37 شخصاً، بينما لم تأكد الشرطة سوى 5 وفيات وناجيين اثنين.

المشتبه بهم: من هو الرجل خلف القناع؟

على مر السنين، ظهر مئات المشتبه بهم، لكن اسماً واحداً ظل يتردد أكثر من غيره: آرثر لي ألين. كان ألين متحرشاً بالأطفال ومطروداً من عمله كمعلم، وكان يمتلك نفس نوع الحذاء الذي وجد أثره في مسرح الجريمة، والأغرب من ذلك أنه كان يمتلك ساعة من ماركة "Zodiac" تحمل نفس رمز الدائرة المتقاطعة!

حتى أن أحد أصدقائه شهد بأن ألين أخبره قبل الجرائم بأنه يريد قتل الناس وتسمية نفسه "الزودياك". ورغم كل هذه الأدلة الظرفية القوية، لم تتطابق بصماته مع البصمات الموجودة في الرسائل، كما أن عينة الحمض النووي (DNA) التي أُخذت من لعاب الطوابع في عام 2002 لم تتطابق معه. هل كان ألين هو القاتل وكان ذكياً بما يكفي لتضليل الأدلة؟ أم أنه كان مجرد شخص مهووس بالقصة؟

مشتبه بهم آخرون

مع تطور علم الأنساب الجيني (Genetic Genealogy)، بدأت تظهر أسماء جديدة. في عام 2021، ادعت مجموعة من المحققين المتطوعين (Case Breakers) أن القاتل هو رجل يُدعى "غاري بوست"، وأشاروا إلى ندوب في جبهته تتطابق مع الرسم التخيلي. ورغم قوة الادعاء، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لا يزال يعتبر القضية "مفتوحة وغير محلولة".

هناك أيضاً نظريات تشير إلى أن الزودياك لم يكن شخصاً واحداً، بل ربما شخص قتل والآخر أرسل الرسائل. لكن هذه النظريات تظل ضعيفة أمام حقيقة أن الرسائل كانت تحتوي على تفاصيل دقيقة جداً من مسارح الجريمة. يبقى لغز الهوية هو المحرك الأساسي للاهتمام العالمي بهذه القضية حتى يومنا هذا.

لماذا فشلت الشرطة في الإمساك بالزودياك؟

إذا نظرنا إلى القضية بعيون عام 2026، نجد أن الفشل كان نتيجة عدة عوامل. أولاً، لم تكن هناك "قاعدة بيانات موحدة" بين مراكز الشرطة المختلفة في كاليفورنيا؛ فكل مدينة كانت تحقق في جرائمها بمعزل عن الأخرى. ثانياً، لم تكن علوم البصمات والحمض النووي قد وصلت إلى مرحلة النضج، مما سمح للقاتل بالتحرك بحرية.

علاوة على ذلك، كان الزودياك بارعاً في "الحرب النفسية". كان يرسل رسائل متناقضة ويدعي القيام بأفعال لم يقم بها، مما شتت انتباه المحققين. لقد كان يدرك أن الإعلام هو نقطة ضعف المجتمع، فاستخدم الصحافة كمنصة لنشر الرعب وتضليل العدالة، وهو أسلوب يدرسه خبراء الإجرام اليوم لتجنب تكراره.

دور التكنولوجيا في محاولة حل اللغز

في 2026، يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل "أسلوب الكتابة" (Stylometry) في رسائل الزودياك ومقارنتها بملايين الوثائق الحكومية من الستينيات. الأمل هو العثور على تقارير عسكرية أو رسائل إدارية كتبها نفس الشخص. كما يتم حالياً محاولة استخراج "DNA" من خلف طوابع البريد باستخدام تقنيات النانو التي لم تكن متوفرة قبل سنوات.

إن قضية الزودياك لم تعد مجرد جريمة، بل أصبحت "تحدياً تقنيًا". العالم ينتظر اللحظة التي يخرج فيها الذكاء الاصطناعي ليقول: "هذا هو الاسم الحقيقي للرجل الذي أرعب كاليفورنيا". وحتى ذلك الحين، يظل الزودياك هو الشبح الذي انتصر على القانون في وقته.

تأثير القاتل زودياك على الثقافة الشعبية

لم تؤثر قصة الزودياك على عالم الإجرام فحسب، بل امتدت للسينما والأدب. فيلم "Zodiac" للمخرج ديفيد فينشر (2007) يعتبر من أدق الأفلام التي أرخت للقضية. كما ألهمت شخصية الزودياك العديد من الشخصيات الشريرة في الأفلام، بما في ذلك شخصية "Riddler" في أفلام باتمان الأخيرة.

هذا الاهتمام المستمر يعكس خوفاً بشرياً أصيلاً من "المجهول". نحن نخاف من القاتل الذي يرتدي قناعاً، ولكننا نخاف أكثر من القاتل الذي يعيش بيننا كشخص عادي، يذهب للعمل، يدفع الفواتير، ثم يعود للمنزل ليكتب رسائل مشفرة عن "عبيده في الآخرة".

لماذا لا نزال نتحدث عنه في 2026؟

السبب هو أننا لا نحب "النهايات المفتوحة". العقل البشري يبحث دائماً عن الإغلاق (Closure). بقاء هوية الزودياك مجهولة يجعل القصة حية وجاهزة لإعادة القراءة والتحليل. في عام 2026، ومع وجود مجتمعات "التحقيق عبر الإنترنت"، تحولت القضية إلى لعبة عالمية يشارك فيها آلاف الأشخاص حول العالم، محاولين العثور على الخيط الذي فات المحققين الأوائل.

الزودياك يمثل الجانب المظلم من "عصر المعلومات". لقد كان أول قاتل يستخدم "الميديا" بشكل تفاعلي. وبدون قصد، وضع الزودياك حجر الأساس لكيفية تعاملنا اليوم مع الأخبار والجرائم والغموض الرقمي.

دروس مستفادة من قضية الزودياك

بالرغم من مأساوية القصة، إلا أنها علمت أجهزة إنفاذ القانون الكثير. بفضل الزودياك، تطورت نظم التواصل بين أجهزة الشرطة، وتم تحسين بروتوكولات حماية مسارح الجريمة. كما أدت القضية إلى تطور كبير في علوم التشفير والتحليل النفسي للجناة الذين يسعون وراء الشهرة.

بالنسبة لنا كمجتمع، تذكرنا قصة الزودياك بضرورة اليقظة، وبأن التكنولوجيا سلاح ذو حدين؛ يمكن استخدامها للقتل والتضليل، كما يمكن استخدامها (ولو بعد عقود) لتحقيق العدالة. العدالة قد تتأخر، لكن لغز الزودياك يقترب من نهايته مع كل تقدم تكنولوجي جديد نصل إليه.

إن حكاية القاتل الشهير زودياك هي تذكير دائم بمدى تعقيد النفس البشرية وقدرتها على الشر والابتكار في آن واحد. لقد رحل الضحايا، وهرم المحققون، وتغيرت ملامح العالم، لكن رمز "الدائرة المتقاطعة" لا يزال يثير القشعريرة في النفوس. ربما يحمل عام 2026 الخبر اليقين، وربما يظل الزودياك اللغز الذي لن يحل أبداً، ليبقى أسطورة سوداء في سجلات التاريخ الإجرامي.

تعليقات