![]() |
| تاريخ الدروز |
هل سبق وتوقفت يوماً لتتأمل في ذلك المجتمع الذي يجمع بين الغموض والهيبة، وبين الانفتاح والتمسك الشديد بالجذور؟ عندما نتحدث عن بني معروف أو الموحدون الدروز، فنحن لا نتحدث فقط عن طائفة دينية، بل عن إرث تاريخي وثقافي ضخم ساهم في تشكيل وجه الشرق الأوسط كما نعرفه اليوم.
في هذا المقال، سنبحر معاً في رحلة استكشافية للإجابة على سؤال "من هم الدروز؟". سنبتعد عن التعقيدات الأكاديمية الجافة، لنحكي القصة بأسلوب بسيط يمس القلب والعقل، ونكشف الستار عن العادات، والتقاليد، وأسرار الصمود التي جعلت من هذا المجتمع رقماً صعباً في معادلة التاريخ العربي.
أصل التسمية ولماذا "الدروز" وماذا يفضلون أن يُدعون؟
غالباً ما يُعرفون في الأوساط العامة باسم "الدروز"، وهي تسمية تعود تاريخياً إلى "محمد بن إسماعيل الدرزي"، أحد الدعاة الأوائل في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. لكن المثير للدهشة أن الدروز أنفسهم لا يفضلون هذا اللقب، بل يعتبرونه لقباً أطلقه عليهم الخصوم في البدايات، ويرتبط بشخصية يراها الدروز خارجة عن النهج الصحيح لدعوتهم.
يفضل أبناء الطائفة تسمية "الموحدون" أو "بني معروف". كلمة "الموحدون" تشير إلى جوهر عقيدتهم القائم على التوحيد المطلق لله، بينما لقب "بني معروف" يعكس الصفات الأخلاقية التي يشتهرون بها من الكرم، والشهامة، وحماية المستجير، والصدق في التعامل. هذه التسميات ليست مجرد ألقاب، بل هي هوية يعتز بها كل فرد في هذا المجتمع.
إذا سألت شيخاً درزياً عن أصلهم، سيخبرك بفخر أنهم عرب أقحام، تعود جذورهم إلى قبائل عربية أصيلة استوطنت بلاد الشام ومصر وشبه الجزيرة العربية. هذا الاعتزاز بالعروبة هو الركيزة الأساسية التي بنى عليها الدروز مواقفهم السياسية والعسكرية عبر العصور، مدافعين عن أراضيهم وكرامتهم.
النشأة التاريخية من قلب القاهرة الفاطمية إلى جبال الشام
بدأت بذور مذهب التوحيد في القرن الحادي عشر الميلادي (القرن الرابع الهجري) في القاهرة، وتحديداً في عهد الخليفة الفاطمي السادس، الحاكم بأمر الله. كانت تلك الفترة تشهد حراكاً فكرياً وفلسفياً كبيراً، حيث ظهرت دعوة تدعو إلى فهم أعمق للقرآن الكريم، تتجاوز التفسير الظاهري إلى المعاني الباطنية والروحية.
لم تكن الدعوة مجرد حركة دينية، بل كانت ثورة فكرية تدعو إلى تحرير العقل والارتقاء بالنفس البشرية. انتشرت هذه الدعوة في بلاد الشام، وخاصة في جبل لبنان، وحاصبيا، وجبل الهيكل (حرمون). ورغم الصعوبات والاضطهادات التي واجهها الأوائل، إلا أنهم استطاعوا الصمود بفضل تماسكهم الاجتماعي وتواجد القادة الأقوياء مثل "حمزة بن علي" الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للفلسفة الدرزية.
بعد اختفاء الخليفة الحاكم بأمر الله في ظروف غامضة، أُغلقت "باب الدعوة" في وجه المنتسبين الجدد عام 1043م. ومنذ ذلك الحين، أصبح المجتمع الدرزي مجتمعاً مغلقاً يحافظ على أفراده وتراثه، مما خلق نوعاً من الخصوصية التي نراها اليوم. هذا التاريخ الطويل من الصراعات والثبات جعل الشخصية الدرزية تتسم بالصلابة والحذر والذكاء الاجتماعي.
العقيدة الدرزية بين التوحيد وفلسفة التقمص
العقيدة عند الموحدين الدروز هي مزيج فريد من الإسلام الشيعي الإسماعيلي، مع تأثر بالفلسفات اليونانية (مثل الأفلاطونية المحدثة) والهندية. الركن الأساسي هو التوحيد المطلق؛ أي الإيمان بأن الله واحد لا شريك له، منزه عن كل صفات البشر، ولا يمكن للعقل البشري المحدود إدراك ماهيته الكاملة إلا من خلال التأمل الروحي والارتقاء بالأخلاق.
أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل والفضول في عقيدتهم هو "التقمص" أو "نطق الولد". يؤمن الدروز بأن الروح البشرية لا تموت، بل تنتقل من جسد إلى آخر فور الوفاة. يرون في ذلك عدلاً إلهياً، حيث تُمنح الروح فرصاً متعددة في حيوات مختلفة لتتطهر وتتعلم حتى تصل إلى درجة الكمال الروحي. هذا الإيمان يجعل الدروز ينظرون إلى الموت كرحلة انتقال، وليس كفناء نهائي، مما يمنحهم شجاعة استثنائية في الحروب.
كما يقدس الدروز العقل، ويقسمون المجتمع إلى طبقتين: "العقال" وهم الذين تفرغوا لدراسة الدين والتزموا بالفرائض واللباس التقليدي، و "الجهال" (بمعنى غير المطلعين على أسرار الدين) وهم عامة الناس الذين يلتزمون بالأخلاق العامة والتقاليد دون الدخول في تفاصيل الفلسفة الدينية العميقة. هذا التقسيم يضمن حماية التعاليم الدينية من التفسيرات الخاطئة ويحافظ على هيبة المؤسسة الدينية.
العادات والتقاليد الكرم، الشهامة، و"حفظ الإخوان"
إذا زرت قرية درزية في جبل العرب بسوريا أو في الشوف بلبنان، فأول ما سيقابلك هو الترحيب الحار. الكرم عند الدروز ليس مجرد واجب اجتماعي، بل هو ركن من أركان الشخصية. تقديم "القهوة المرة" هو طقس يومي يعبر عن الاحترام والتقدير للضيف، ولها قواعدها الخاصة في الصب والتقديم تعكس الانضباط والرقي.
من أهم المبادئ الأخلاقية لديهم هو "حفظ الإخوان". هذا المبدأ يعني التكافل الاجتماعي المطلق؛ فالدزي ملزم بمساعدة أخيه الدرزي في الضيق، وحمايته، والوقوف بجانبه. هذا التلاحم هو السر وراء بقاء هذه الأقلية قوية ومنظمة عبر القرون رغم كل التحديات السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة.
الزواج عند الدروز يتم غالباً داخل الطائفة، وهو قانون اجتماعي صارم يهدف للحفاظ على النسيج الاجتماعي والخصوصية الدينية. تتميز أعراسهم بالدبكة الشعبية والأهازيج التي تمجد البطولة والشرف. كما أن للمرأة الدرزية مكانة رفيعة، فهي شريكة الرجل في الكفاح، ولها حقوق في الميراث والتعليم مصانة بموجب الأعراف والقوانين المذهبية، وغالباً ما تتسم بالرزانة والحشمة.
الزي التقليدي رمزية الهوية والوقار
لا يمكن الحديث عن الدروز دون ذكر زيهم التقليدي المميز الذي يفوح برائحة الأصالة. يرتدي الرجال (العقال) "السروال" الأسود الفضفاض، و "القميص" و "الصدرية"، وفوق رؤوسهم "العمامة" البيضاء المكورة التي ترمز للطهر والحكمة. هذا اللباس ليس مجرد ثياب، بل هو إعلان عن الالتزام بالنهج الديني والأخلاقي للطائفة.
أما النساء، فيرتدين في الغالب أثواباً سوداء طويلة، ويضعن على رؤوسهن "النقاب" أو "الفوطة" البيضاء الرقيقة التي تغطي الرأس والأكتاف. هذا الزي يعكس الوقار والحشمة التي تربى عليها المجتمع الدرزي. ورغم أن الأجيال الشابة بدأت تنخرط في الموضة الحديثة، إلا أنك تجد احتراماً كبيراً لهذا الزي في المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى.
هذه الرموز البصرية تلعب دوراً كبيراً في تعزيز الشعور بالانتماء. فعندما يرى الدرزي شخصاً يرتدي العمامة المكورة، يشعر فوراً بالثقة والأمان، وكأنه يرى جزءاً من عائلته الكبيرة. إنها لغة بصرية توحد القلوب قبل الكلمات.
الدروز والسياسة حماة الثغور وصناع الثورات
تاريخياً، عُرف الدروز بأنهم "حماة الثغور". بسبب استيطانهم في الجبال الوعرة، تحولوا إلى مقاتلين بالفطرة دفاعاً عن أرضهم. لا يمكن لأي مؤرخ أن يغفل دورهم في الحروب الصليبية، أو وقوفهم في وجه الاستعمار الفرنسي. من ينسى سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، الذي أصبح رمزاً وطنياً لكل السوريين وليس للدروز فقط؟
في لبنان، كان للدروز دور محوري في تأسيس "لبنان الكبير"، وبرزت عائلات سياسية عريقة مثل آل جنبلاط وآل أرسلان، الذين لعبوا أدواراً قيادية في توازن القوى. يتميز العمل السياسي الدرزي بالبراغماتية والولاء للأرض، فهم يؤمنون بأن بقاءهم مرتبط بقوة الدولة التي يعيشون فيها، مع الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية.
يُعرف عن الدروز أيضاً "التقية" في الظروف الصعبة، وهي القدرة على التكيف مع المحيط السياسي لحماية المجتمع من الفناء. لكن هذا التكيف لا يعني التنازل عن الثوابت؛ فالتاريخ يشهد أنهم أول من يحمل السلاح إذا استُهدفت كرامتهم أو تعرضت أرضهم للخطر. إنهم يجمعون بين دهاء السياسة وشجاعة الفرسان.
العلم والعمل التميز في المجالات الحديثة
رغم تمسكهم بالتقاليد، إلا أن الدروز مجتمع يقدر العلم بشكل كبير. تجد بينهم كبار الأطباء، المهندسين، الشعراء، والفنانين. الاهتمام بالتعليم يبدأ من الأسرة، حيث يُنظر إلى الشهادة الجامعية كسلاح يحمي الفرد في مواجهة تقلبات الزمن.
في المجال الأدبي، قدم الدروز قامات لا تُنسى مثل الأمير شكيب أرسلان "أمير البيان"، والشاعر سميح القاسم الذي صدح بشعر المقاومة، وغيرهم الكثير. هذا النبوغ ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لبيئة تشجع على القراءة والتأمل وإعمال العقل، وهي مبادئ متجذرة في الفلسفة التوحيدية.
أما في مجال العمل، فيشتهر الدروز بالزراعة، وخاصة زراعة الزيتون والتفاح في جبال السويداء والشوف والجليل. لديهم ارتباط روحي بالأرض، ويرون في العمل اليدوي شرفاً وعبادة. الصدق في التجارة والالتزام بالكلمة هما السمة الغالبة على تعاملاتهم، مما بنى لهم سمعة طيبة في الأسواق والمجتمعات التي يعيشون فيها.
أماكن التواجد: أين يعيش الموحدون الدروز اليوم؟
يتركز الوجود الدرزي بشكل أساسي في أربع دول:
سوريا: وتحديداً في محافظة السويداء (جبل العرب)، وريف دمشق، والقنيطرة. هم يشكلون جزءاً أساسياً من النسيج الوطني السوري.
لبنان: يتواجدون في جبل لبنان (الشوف وعاليه)، وحاصبيا، وراشيا، وبيروت. دورهم في لبنان يتجاوز حجمهم الديموغرافي نظراً لتأثيرهم السياسي التاريخي.
فلسطين: يعيشون في قرى الجليل والكرمل.
الأردن: يتواجدون بشكل أساسي في مدينة الأزرق وعمان.
بالإضافة إلى هذه المراكز الأساسية، هناك اغتراب درزي واسع في فنزويلا، البرازيل، الولايات المتحدة، وكندا. المثير للإعجاب أن الدرزي في المغترب يظل مرتبطاً بجذوره، ويحرص على تعليم أبنائه اللغة العربية والقيم المعروفية، ويساهم بشكل فعال في دعم قريته الأم من خلال الجمعيات الخيرية.

.jpg)